صديق الحسيني القنوجي البخاري

100

فتح البيان في مقاصد القرآن

لمعانيها في الصدور ، وليكون أبلغ في الوعظ والزجر ، ولأن كل قصة منها كتنزيل برأسه ، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها فكانت جديرة بأن تفتح بما افتتحت به صاحبتها ، وأن تختم بما اختتمت به . وَإِنَّهُ الضمير يرجع إلى ما نزله عليه من الأخبار ، أي وإن هذه الأخبار أو وإن القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به ، وبه قال قتادة : لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ أي : فليس بشعر ولا سحر ، ولا أساطير ، ولا غير ذلك مما قالوه فيه . نَزَلَ قرىء مخففا ومشددا بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ هو جبريل ، كما في قوله : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ [ البقرة : 97 ] وبه قال قتادة وابن عباس ؛ وعنه مرفوعا قال : الروح الأمين جبريل ، رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها فيها مثل ريش الطواويس ! ! أخرجه أبو الشيخ ، وسماه روحا لأنه خلق من الروح ، وسماه أمينا لأنه مؤتمن على وحيه لأنبيائه . عَلى قَلْبِكَ أي : أنه تلاه على قلبك حتى تعيه وتفهمه ولا تنساه ، ووجه تخصيص القلب أنه أول مدرك من الحواس الباطنة ، قال الكرخي خصه بالذكر ليؤكد أن ذلك المنزل محفوظ ، والرسول متمكن من قلبه لا يجوز عليه التغير ، ولأن القلب هو المخاطب في الحقيقة ، لأنه موضع التمييز والعقل والاختبار ، وسائر الأعضاء مسخرة له . ويدل عليه القرآن والحديث والمعقول أما القرآن فقوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [ ق : 37 ] والحديث قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب » « 1 » أخرجاه في الصحيحين . وأما المعقول فإن القلب إذا غشى عليه ، وقطع سائر الأعضاء لم يحصل له شعور ، وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات ، وعبارة الخازن ، ومن المعقول أن موضع الفرح والسرور ، والغم والحزن ، هو القلب ، فإذا فرح القلب أو حزن يتغير حال سائر الأعضاء ، فكان القلب كالرئيس لها ، ومنه : إن موضع العقل هو القلب على الصحيح من القولين ، فإذا ثبت ذلك كان القلب هو الأمير المطلق ، وهو المكلف لأن التكليف مشروط بالعقل والفهم انتهى . لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ علة للإنزال أي : أنزله عليك لتنذرهم بما تضمنه من التحذيرات والانذارات والعقوبات بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ أي : لتكون من المنذرين الذين انذروا بهذا اللسان ، وهم هود وشعيب وصالح وإسماعيل عليهم الصلاة والسلام ، أو متعلق ب ( نزل ) أي أنزله بلسان عربي لتنذر به .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 39 ، ومسلم في المساقاة حديث 107 ، وابن ماجة في الفتن باب 14 ، والدارمي في البيوع باب 1 .